تجليات ديوان وشاح البنفسج
ألم في وشاح بنفسج - بلقيس عثامنه
نتساءل لماذا يبدع الأديب؟ ولماذا يكون العزاء في نظم الكلمات؟ إن الشعر يسلي النفس، ويلتف وشاحا رقيقا حول العنق، مبديًا رهافة الروح وفلسفة الوجود، ومسليًّا للفؤاد، فالكتابة سقم وشفاء، بوح وإضمار في آن، وهذا ما يجعل التجربة الشعرية لذيذة لمتذوقها ومبدعها، ومغامرة للناقد الشغوف.
وهذه الدكتورة سناء تخط في مجموعتها الشعرية "وشاح البنفسج" بعضا من ذاتها، وتشي بعذابات روحها، وأزمة محيطها، من منظور نسائي محب للحياة متشبث بالأمل، رغم تخييم الألم على المجموعة، فتسيطر هذه الثنائية بتقلباتها واختلافاتها على القصائد، لتكون التجربة ما بين شد وجذب، وما بين بوح وإضمار، تماما كحالة التشظي التي تعيشها المرأة العربية في مجتمعاتنا، وهي ذاتها معاناة الفلسطيني في أرضه المغتصبة.
إن المجموعة الشعرية تشي بامرأة قوية حاضرة رغم المعاناة، فالصمود والتضحية صورة عزائمها، وهذا ما يظهر من قصائدها حول ابنها الفقيد، فهذا جرح نازف لكل النساء الفلسطينيات، وكأن الدكتورة تقف على مسافة واحدة من هذا المرار، وتتجرع الغصة التي تعيشها كل الأمهات في أرضها، فيكون ابنها موهوبًا للأرض، تسلي نفسها بأنه ابن لها وفداء لترابها، بهذه القوة المصبوغة بالحزن تظهر الدكتورة سناء من بين ثنايا قصائدها.
إن الفقد أقوى دوافع الكتابة، فتأتي القصائد مغموسة بالألم متجردة من الزخرفة، وإنما مصورة لجوهر الحقيقة في ذات المبدع، ومظهرة لأحزانه وقاضية بسخاء الإضاءة على الجراح النازفة، وهنا تتجلى المرأة المبدعة، ابنة القضية وصاحبة مسيرة الصمود في مجابهة ظلم وظلام العدو المغتصب والحياة الغاضبة، فتأتي القصائد على مواطن الألم، ولحظات القوة، وصفات العزيمة.
وتظهر في المجموعة الشعرية صور متعددة للفقد، ففقد الابن، والأخ، والحب، والوطن المحتل، كلها آلام تجرعتها المرأة الفلسطينية، التي بتنا متفقين على أن الدكتورة سناء، صورة لها، فجاءت القصائد بصورتها السيميائية، مليئة بالعلامات الدالة على الحزن، والقرائن المحيلة إلى الفقد والألم.
ومع ذلك، لا تتكئ المجموعة على الفقد بوصفه نهاية ولا تقف الذات على الألم تعزية لنفسها، وإنما تنظمه بوصفه حالة وجودية مرتبطة بالهوية الفلسطينية، وبالمرأة تحديدًا، فالفقد ليس موتًا أو صورة للضعف إنه إعادة تعريف للذات في عالم مهشم، والدكتورة سناء في "وشاح البنفسج" تعيد تشكيل نفسها عبر اللغة لا ترثي وتشكو ضعفًا، فتغدو القصيدة فعل بقاء وحضور، وهنا تكمن القيمة العميقة للتجربة التي لا تتجلى حاضرة في إصرار الصوت على ألا ينكسر وألا ينهار راضخًا لضعف أو فقد أو احتلال.
إن اللغة في هذه المجموعة ليست ضرورة للبقاء، جاءت محملة بثقل التجربة، خالية من الادعاء البلاغي والتحسين الجمالي، متجهة نحو جوهر الألم، لتجرده من التنميق، وكأنها تشي بعمق الألم، وتجعل من تجربتها الشعرية مقايضة الصمت بالكلمات، والعجز بالاعتراف، والغياب بالكتابة، فتنشأ القصيدة بوصفها مساحة نجاة، ومن هنا، فإن البناء العام للقصائد يكشف هشاشة الذات الإنسانية، تلك الهشاشة التي تمنح النصوص حقيقتها المؤلمة، ولا تنتقص من عمق الفكرة المؤداة.
إن "وشاح البنفسج" يقدم ذاتًا متماسكة في محنتها؛ ذاتًا لا تزال قادرة على الحب، وعلى الحلم، وعلى استدعاء الحياة من بين الركام، وهذه هي المرأة الفلسطينية الصامدة، فالقصائد، وإن بدت متشابهة في نبرتها الحزينة، إلا أنها تؤدي وظيفة شعورية واحدة: تثبيت الوجود في وجه الفقد، وهذا ما يجعل التكرار إلحاحا وجوديا.
وفي هذا السياق، تغدو الأنثى في المجموعة كائنا يتقاطع فيه الخاص بالعام، فلا يعود فقد الابن تجربة فردية، وإنما يصبح استعارة كبرى لفقد الوطن، وفقد الأمان، وفقد المستقبل، وهكذا تشتغل القصيدة الفلسطينية، من خلال هذه الذات النسائية، على تحويل الوجع الشخصي إلى ذاكرة جماعية، وعلى تحويل الأم الثكلى إلى أيقونة صمود، لا بطولة مصطنعة.
إن قراءة هذه المجموعة تقاس بمعيار القدرة على تمثيل المعاناة، وعلى التقاط اللحظة الإنسانية في أقصى انكسارها، فهنا، حيث تفشل اللغة أحيانًا في الإحاطة بما هو أعمق منها، تنجح القصيدة في أن تكون أثرا حيا معبرا عن التجربة، وشاهدا على أن الكتابة قوية وجوديا بقوة الحق وأصحاب الألم.
الكبرياء في ديوان وشاح البنفسج – نادر سكاكية
يعدّ الكبرياء عنصرًا أساسيًا في هذا الديوان، إذ يعبِّر عن جوهر وجود المرأة ومشاعرها ، فهو ليس مجرد سمة عابرة، بل يمثل الذات التي تعكس آلام المرأة وأحلامها. ويتجلى كبرياء المرأة في الديوان من خلال عدة جوانب مستندًا إلى مصادر مختلفة.
1. الكبرياء كرمز للكرامة والقوة :
يرتبط الكبرياء في النصوص ارتباطًا وثيقًا بالكرامة، إذ تظهر المرأة وهي تستمد قوتها من كرامتها، مما يجعل هذا الكبرياء عاملًا يساعدها على الثبات رغم الألم والجراح، ويمنحها القوة لتصل إلى السماء.
2. يضمّ الديوان قسمًا كاملًا بعنوان «كبرياء»، بحيث يتناول قصائد تعبّر عن روح التمرّد والاعتزاز بالذات، مثل «ثورة امرأة» و«العار» و«قرار». وتقدّم هذه النصوص صورة المرأة بوصفها شخصية قوية ترفض النظرة السلبية ومحاولات حصرها ضمن قيود اجتماعية ضيّقة. كما تؤكد أن المرأة ليست كائنًا مُهمَلًا، بل صوت حاضر يحمل مشاعر عميقة ودموعًا صادقة، وأن فخرها بذاتها يمنحها القدرة على الصمود، لتبقى راسخة في الأذهان رغم كل التحديات.
3. تظهر قوة المرأة بوصفها «ملكة الوقت» و«الأسطورة»، إذ تعبّر عن فخرها بذاتها ككيان قوي لا يُهزم. فهي امرأة لا تنكسر أمام تحديات الحياة، وتعلن بثقة أنها «أقوى»، كما ترى نفسها «ملكة العشق» وتدرك مكانتها في هذا العالم.
حتى في لحظات الفراق والظروف الصعبة، تبقى كرامتها حاضرة؛ فهي تضع حدودًا واضحة لكرامتها في علاقاتها، ولا تقبل العودة إلى أماكن لا تُحترم فيها، وتتخذ قرارات حاسمة تحمي بها نفسها من الألم. تعبّر عن حبها بوضوح، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على قوتها بوصفها "أميرة غريبة" .
وبذلك يصبح الكبرياء وسيلة لحماية المرأة ودفاعًا لها في مواجهة الألم، إذ يجمع بين العزة والكرامة والقدرة على الصمود أمام التحديات. ويتداخل هذا الكبرياء مع الحب في نصوص الديوان ليشكّل صورة المرأة العاشقة التي ترفض الانكسار، حيث يظهر الكبرياء كدرع يحمي مشاعرها ويضفي عليها طابعًا ملكيًا وأسطوريًا. وسنستعرض تفاصيل هذا الارتباط استنادًا إلى المصادر:
الحب من موقع القوة والسيطرة :
1. لا تظهر المرأة في هذا الديوان كعاشقة مستسلمة ، بل بوصفها " ملكة العشق " التي يتداخل حبها مع كبريائها الفطري [31، 51] . فهي تدرك تمامًا أنها «ملكة الوقت» و«الأسطورة» التي تسمو بقامتها إلى عنان السماء، ليصدر حبها عن عزة النفس وعنفوانها، لا عن موضع ضعف أو خضوع [12، 49] .
2. التلازم بين رؤية الحب ورؤية الكبرياء :
تتكرر في النصوص عبارة «رأيت الحب في عينيك. رأيت الكبرياء»، في إشارة واضحة إلى أن الحب والكبرياء في هذه التجربة الوجدانية وجهان لا ينفصلان [51، 52]. ويجعل هذا التلازم من الكبرياء «عهدًا ووعدًا» يحيط بالعلاقة، ليغدو ضمانة لصدق العاطفة ونبلها .
3. الكبرياء كدرع للقلب في مواجهة الألم :
يظهر الكبرياء بوصفه «كنزة» ترتديها المرأة لتعبّر عن أنينها وأحلامها، وهو ما يمنحها القدرة على الصمود حين يرقص الألم على نبضاتها [2، 5]. فهي ترفض أن يمزقها الوجد، وتعلن بكبرياء: «إنني أقوى»، محوّلة دموعها إلى تاج من الكرامة [14،15] .
4. قرار الرّحيل صيانةً للكرامة :
عندما تتعارض المشاعر مع العزة، ينحاز الديوان إلى الكبرياء؛ ففي قصيدة «قرار»، تعلن المرأة بوضوح: «ارحل. لم أعد أعشق»، متخلّية عن لهفة الحب في سبيل عظمة الذات. هنا يصبح الكبرياء مصدر القوة الذي يجعلها «رحّالة» تغادر المدن الغريبة كلما شعرت بأن كرامتها مُهانة .
5. «أجمل في حبك» بفضل الكبرياء :
تؤكد النصوص أن المرأة تزداد جمالًا في الحب حين تحافظ على كبريائها، إذ يجعلها هذا الكبرياء «أميرة غريبة» تحتفظ بسحرها الخاص حتى في لحظات الحنين والانتظار، ويحوّل حبها من مشاعر عابرة إلى حالة وجودية ذات طابع أسطوري.
وبناءً على ما سبق، فإن الحب في «وشاح البنفسج» لا يُقدَّم بوصفه علامة ضعف، بل كـ«ترانيم» تُعزف على أوتار الكبرياء، حيث تبقى المرأة متمسكة بـ«نور كرامتها» حتى في ذروة عشقها.